Picture of the author
Picture of the author
Picture of the author

الكاتب: د. أحمد شاهين

نشر في: يوليو 15, 2026

العطلة الصّيفية.. كيف نحول وقت فراغ أبنائنا إلى فرصة لبناء التعلم الذاتي؟

من عادات الناس الدارجة أنهم ينظرون إلى العطلة الصيفية على أنها مدة للراحة والاستجمام، والانقطاع عن كل ما يتصل بالتعلم ومسالكه الضاغطة، غير أن التوجهات التربوية الحديثة تقدم تصورًا مختلفًا للعطلة؛ إذ لا تنظر إليها على أنها انقطاع عن التعلم أو توقف عنه، وإنما فرصة لإعادة توجيهه وتنظيمه على نحو يكون أكثر مرونة ومراعاة لاهتمامات المتعلمين واحتياجاتهم. وفي أثنائها يستطيع المتعلم، بدعم من أسرته ومعلميه، استثمار وقته في بناء مهارة تعلمه الذاتي المستمر بعيدًا عن ضغوط المناهج والاختبارات وهي كفاية ذاتية عالية، تعد واحدة من أهم كفايات المستقبل ومتطلبات النمو المعرفي السريع.

 

لقد أصبح التعلم في عصرنا الراهن عملية معقدة لا تتوقف عند حدود المنظومة المدرسية أو المنظومة التربوية العامة ومطلوباتهما، بل صارت تمتد خارج حدودهما مكانًا، وخارج شروط السن واعتباراته وقتًا وزمانًا، فضلا عن أن التسارع المتواصل في إنتاج المعرفة والتطور التكنولوجي المذهل في مجالاته كافة، وما يستصحب ذلك من تضاعف المحتوى المعرفي خلال مُددٍ زمنية وجيزة، يستلزم أن يمتلك الطلبة القدرة على التعلم المستمر وتطوير ملكاتهم بصورة دائمة، وأن يتحملوا مسؤولية تعلمهم بالبحث عن المعرفة بشغف واهتمام، واكتساب المهارات الجديدة باستقلال واعٍ وتمكنٍ دقيق. ومن هذا المنطلق، كان دأب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في التأكيد على أن التعلم مدى الحياة هو ركيزة رئيسة من ركائز مجتمعات المعرفة المعاصرة.

 

والتعلم الذاتي المستمر يتمثل معناه في قدرة الفرد على إدارة عملية تعلمه بتقدير احتياجه من معارف ومهارات، ثم اختيار المصادر المناسبة التي تساعده في اكتسابها، وتنظيم وقته وفق مقتضياتها، ومتابعة تقدمه وتوظيفه في ملابسات الواقع ومواقفه المختلفة، وتُعد العطلة الصيفية فرصة مثالية لتنمية هذه المهارة؛ لأنها توفر للطلبة مساحة واسعة من حرية اختيار ما يريدون تعلمه، واستكشاف مجالاته الرحبة خارج الأطر المدرسية.

 

كيف تُستثمر العطلة الصيفية في بناء التعلم الذاتي؟
 

إن ترسيخ ثقافة التعلم الذاتي لدى الأبناء لا يتطلب منهم تخصيص وقت طويل ولا الانتظام في برامج باهظة التكاليف، وإنما يتطلب الانطلاق من خطوات يسيرة ومنظمة تُبنى بها العادات المعرفية الراسخة. ولا ريب أن للأسرة والمعلمين دورٌ محوري في إرشاد الأبناء إلى إدراك هذه الغاية وتحقيقها، ولعل الفكرتين الآتيتين تساعدان في تأطير هذا المسعى وتطويره:

 

أولا: تحديد الأهدف وبناء عادة التعلم

من أكثر الممارسات الخطأ التي تشيع في بيوتنا ومجتمعاتنا أن تمضي العطلة دون غاية واضحة ولا هدف محدد، لذلك كان من المهم أن يساعد الأهل أبناءهم على اختيار مهارة أو مجال معرفي محدد يرغبون في تطويره، كتعلم لغة جديدة، أو تحسين القدرة على القراءة، أو اكتساب مهارة رقمية، وجدير بالذكر هنا أن التعلم الذاتي ليس بكثرة عدد الساعات، وإنما بالاستمرارية على قاعدة "قليل دائم خير من كثير منقطع"، فتخصيص 20–30 دقيقة يوميًا للقراءة أو ممارسة مهارة جديدة سيكون أكثر أثرًا من التعلم المكثف لمدد متقطعة متباعدة.

 

ثانيًا: استخدام التطبيقات والمنصات الرقمية بوصفها أدوات داعمة

أتاح الفضاء الرقمي ثروة واسعة من التطبيقات والمنصات التي تخدم التعلم الذاتي، وتفتح أمام الأبناء آفاقًا متنوعة لاكتساب المعرفة وبناء مهاراتهم، ومع كثرة هذه الخيارات وتنوعها، نود التأشير على نماذج محددة تعين على استثمار العطلة الصيفية في القراءة، والتعلم، وتنمية المهارات المختلفة:

 

1. منصة " Khan Academy " التعلم المنظم وفق السرعة الشخصية

تقدم هذه المنصة محتوى تعليميًا مجانيًا في مجالات متعددة مثل الرياضيات والعلوم والبرمجة والاقتصاد. وتساعد المتعلم على اختيار المستوى المناسب له، والتقدم وفق سرعته الخاصة واستقلاليته وخطته الفردية للتعلم.

 

2. تطبيق " ReadEra " تحويل القراءة إلى عادة صيفية

تُعد القراءة من أهم بوابات التعلم الذاتي، ويمكن للطلبة استثمار أوقاتهم في بناء علاقة مستمرة مع الكتاب، وهذا التطبيق يساعد المستخدمين على قراءة الكتب الإلكترونية بسهولة وتنظيم مكتبتهم الشخصية.

 

3. تطبيق " Anki " تثبيت المعرفة من خلال المراجعة الذكية

قد يقرأ الإنسان كثيرًا لكنه ينسى ما تعلمه إذا لم يراجع المعرفة بطريقة مناسبة، وتطبيقAnki يساعدالمستخدمين على بناء بطاقات تعليمية تعتمد على التكرار المتباعد، وهي طريقة فعالة في تعلم اللغات والمصطلحات والمعلومات الجديدة.

 

إن استثمار العطلة الصيفية لا يتحقق بملء الوقت بأنشطة فحسب، بل ببناء بيئة داعمة يعزز فيها الأهل والمعلمون لدى أبنائهم عادات التعلم الذاتي وتنمية مهاراتهم، فالمتعلم الذي يتقن صناعة معرفته في عطلته، يمتلك القدرة على مواصلة التعلم والتطور مدى الحياة في عالم سريع التغير.