مدونتنا

٢٩‏/١١‏/٢٠٢١

المهارات المعرفية وغير المعرفية المكتسبة أثناء جائحة كورونا

المهارات المعرفية وغير المعرفية المكتسبة أثناء جائحة كورونا

الجائحة فرصة للتعلّم

أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين - اسمع من خبرائنا - أريج نوفل - عندما يطرح موضوع جائحة كورونا ... يبدأ الجميع بالتحدث عن الآثار السلبية التي خلفتها الجائحة في جوانب الحياة المختلفة مثل الصحة والتعليم والتجارة والسياحة، وفي التعليم بشكل خاص يتم الحديث عن الفاقد التعليمي الذي تسببت به الجائحة لدى الطلبة؛ نتيجة إغلاق المدارس الذي استمر شهورًا عدة. في هذا المقال سنلقي الضوء على آثار الجائحة ولكن بطريقة مغايرة تمامًا، حيث سنتناولها على أنها فرصة فريدة من نوعها مرّ بها العالم أجمع، وأسهمت في تطوير عدد من المهارات والكفايات التي لم نكن نتصور يومًا العمل عليها، وفي الوقت نفسه سرّعت اكتساب الطلبة لعدد من المهارات التي سنتعرف إليها بشكل مفصّل في هذا المقال.  

 يكتسب الطلبة في سنوات دراستهم مجموعة متنوعة من الكفايات والمهارات، ويطورون اتجاهات مختلفة نحو عملية التعلم، وتصنف هذه المهارات بشكل عام إلى مهارات معرفية ومهارات غير معرفية، يقصد بالمهارات المعرفية تلك التي تتطلب جهدًا فكريًا وتفكيرًا استدلاليًا، وتربطها بعض الدراسات بمستوى الذكاء الذي يتمتع به الفرد، وقدرته على التفكير المنطقي، وتظهر فيه قدرة المتعلم على تعلّم اللغة والحساب والمنطق والعلوم الأخرى. بينما تعرّف المهارات غير المعرفية على أنها مهارات شخصية واجتماعية يمارسها الفرد في مواقف الحياة اليومية وفي علاقاته مع الآخرين، وهي ببساطة تمثل المهارات الاجتماعية الانفعالية التي يمتلكها الفرد.

في عام 1985 تحدّث عالم النفس ستيرنبرج في نظريته الذكاء الثلاثي عن مفهوم جديد للذكاء، يتجاوز مفهوم معدّل الذكاء العام، وقدرة الفرد على التفكير الرياضي المنطقي كمؤشر على الذكاء المرتفع للأفراد، بل ذهب إلى أن الذكاء يتضمن ثلاثة مكونات هي: الذكاء التحليلي، الذكاء الإبداعي، والذكاء العملي والذي يشير إلى قدرة الفرد على تطبيق ما لديه من معارف وأفكار في الحياة العملية؛ للنجاح بها وذلك عن طريق ممارسة ثلاث مهارات فرعية هي: التكيّف وذلك بمواءمة الفرد بين حاجاته ومتغيرات البيئة من حوله، وإعادة التشكيل وهي إعادة تشكيل الفرد للبيئة المحيطة به لتصبح مناسبه لاحتياجاته، بالإضافة إلى الاختيار والتي تعني اختيار الفرد بيئة جديدة تمامًا تلبي ميوله واحتياجاته.

قد يبدو الكلام السابق مجردًا بعض الشيء، ولكن دعونا نربطه بآثار الجائحة في النظام التعليمي الذي مرَّ بتغيرات جذرية في معظم دول العالم دفعت الجميع للاستجابة مباشرة لتقديم التعليم عن بعد خلال فترة إغلاق المدارس من خلال منصات التعلّم والمواقع الإلكترونية، وشاشات التلفزة وحتى الهواتف الذكية، وهي جميعها حلول تفاوتت في مدى فاعليتها في إيصال التعلّم كبديل عن المدرسة، لكنها بالتأكيد دفعت الطلبة إلى اكتساب مهارات مختلفة لم يخططوا مسبقًا لها، وعلى رأسها مهارة التعلّم الذاتي والمسؤولية عن التعلّم، فالطالب أصبح يحدد أوقات دراسته والأدوات التي سيستخدمها ومصادر التعلم التي يحتاجها لتحقيق النتاجات المتوقعة للمادة العلمية، وهنا يظهر بشكل كبير ممارسة الطلبة لمهارات غير معرفية مثل التعلم الذاتي، إدارة الذات، البحث عبر الإنترنت، إدارة الوقت، والتخطيط لعملية تعلمهم. في الجائحة طوّر الطلبة أنماط تعلمهم الخاصة، وأصبحوا أكثر قدرة على إدارة ذاتهم والعمل بأقل مستوى ممكن من التوجيه والمتابعة، وهذا هو تمامًا التطبيق الواقعي لمفهوم الذكاء العملي الذي ناقشه ستيرنبرج. كما أن نتائج الأبحاث في بعض الدول أظهرت أن الانتقال للتعلم عن بعد في بعض الأنظمة التعليمية لم يكن سلبيًا بالمطلق، بل على العكس أظهر الطلبة توجهات إيجابية ومستويات سعادة أكبر للتعلم من المنزل.

جادل البعض أيضًا أن مهارات الطلبة الاجتماعية قد تأثرت بشكل كبير في الجائحة وأصبحوا يعانون من العزلة الاجتماعية ولديهم مشكلات انفعالية، وهو شيء لا يمكن إنكاره نتيجة قلة تفاعل الطلبة مع بعضهم بعضًا، ولكن بالمقابل يؤكد د. ديريك فان دام كبير الباحثين في مركز إعادة تصميم المناهج في ولاية بوسطن الأمريكية أن الطلبة أظهروا مستويات مقاومة نفسية عالية، وهي تشير إلى قدرتهم على التكيّف المرن مع الظروف المحيطة بهم، والتعامل مع المستجدات بطريقة إيجابية.

في النهاية، لا بد من تهيئة النظام التعليمي ليكون أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع المستجدات، والعبور من الأزمات المختلفة لا سيما أن هذه الجائحة قد لا تكون الأخيرة، ولكن يجب أن يتم إعادة النظر في طريقة تعليم الطلبة بحيث يتم الاستثمار أكثر في تطوير مهاراتهم غير المعرفية، ووضعهم في سيناريوهات مختلفة تتطلب منهم المرونة والتكيّف، ليتمكنوا من النجاح في حياتهم العملية؛ لأن المعرفة وحدها لا تكفي، بل القوة تكمن في استثمار هذه المعرفة والبناء عليها للخروج بابتكارات جديدة تسهم في حل المشكلات التي يواجهها العالم.

التركيز على المهارات غير المعرفية أصبح حاجة ملّحة للوصول إلى الابتكار والإبداع.   

منذ شهر

أحدث التدوينات